الشنقيطي
176
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله تعالى : وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ البر بالفتح هو فاعل البر - بالكسر - كثيرا أي وجعلناه كثير البر بوالديه ، أي محسنا إليهما ، لطيفا بهما ، ليّن الجانب لهما . وقوله « وبرّا » معطوف على قوله « تقيّا » ، وقوله « ولم يكن جبّارا عصيّا » أي لم يكن مستكبرا عن طاعة ربّه وطاعة والديه ، ولكنّه كان مطيعا للّه ، متواضعا لوالديه ، قاله ابن جرير . والجبار : هو كثير الجبر ، أي القهر للنّاس ، والظلم لهم . وكل متكبر على الناس يظلمهم : فهو جبّار . وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى : وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) [ الشعراء : 130 ] وعلى من يتكرر منه القتل في قوله : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ [ القصص : 19 ] الآية . والظاهر أن قوله : « عصيّا » فعول قبلت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة : التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله : إن يسكن السابق من واو ويا * واتصلا ومن عروض عريا فياء الواو اقلبن مدغما * وشذ معطى غير ما قد رسما فأصل « عصيّا » على هذا « عصويا » كصبور ، أي كثير العصيان . ويحتمل أن يكون أصله فعيلا وهي من صيغ المبالغة أيضا ، قاله أبو حيان في البحر . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) قال ابن جرير : وسلام عليه أي أمان له . وقال ابن عطية : والأظهر عندي أنّها التحية المتعارفة ، فهي أشرف من الأمان ، لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته ، وإنما الشرف في أن سلم اللّه عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة ، وقلة الحيلة والفقر إلى اللّه تعالى عظيم الحول - انتهى كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية ، ومرجع القولين إلى شيء واحد ، لأن معنى سلام ، التحية ، الأمان ، والسلامة مما يكره . وقول من قال : هو الأمان . يعني أنّ ذلك الأمان من اللّه . والتحية من اللّه معناها الأمان والسلامة مما يكره . والظاهر المتبادر أن قوله وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ تحية من اللّه ليحيى ومعناها الأمان والسلامة . وقوله : وَسَلامٌ عَلَيْهِ مبتدأ ، وسوغ الابتداء به وهو نكرة أنه في معنى الدعاء ، وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته ، ووقت موته ، ووقت بعثه ، في قوله يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ الآية ، لأنها أوحش من غيرها . قال سفيان بن عيينة : أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن : يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم . ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم . قال : فأكرم اللّه فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه فيها ؛ رواه عنه ابن جرير وغيره . وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بإسناده عن الحسن رحمه اللّه قال : إنّ عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى : استغفر لي ، أنت خير